ماجدة سبيتي
جاء مسرعاً من سفره عند سماعه خبر تنفيذ زوجته حكم الطلاق في المحكمة الشرعية الجعفرية، بعد أن ترك بنفسه وكالة طلاق مع أحد أقربائه لينفذ الحكم عنه في غيابه. غاضباً ومندهشاً، سارع إلى الاتصال بها طالباً إحضار ابنه الذي يبلغ من العمر ثلات سنوات للإقامة معه محصناً موقفه هذا بالشرع الإسلامي والأحكام الشرعية التي تعطي الأب حق حضانة الأولاد.
تكتسب قوانين الأحوال الشخصية في لبنان وهي القوانين التي تنظم قضايا الزواج والطلاق والنفقة وحضانة الأطفال أهمية خاصة كونها تعنى بتنظيم العلاقة داخل الأسرة وترتيب الواجبات والحقوق بين الرجل والمرأة فهي تدخل إذاً في جوهر الحياة الخاصة. بالإضافة إلى ذلك تنظم هذه القوانين العلاقة بين الدولة والمواطن بعد أن تضبط المرجعية الدينية قوانين الأحوال الشخصية وتقوم الدولة بتطبيقها على مواطنيها بعد مباركة هذه القوى التقليدية الدينية ووساطتها. ففي لبنان ثمة 17 محكمة دينية تبت في قضايا الأحوال الشخصية بين المجموعات الدينية والملل المختلفة.
تدخل حضانة الطفل ضمن هذه الأحكام وتعني المحافظة عليه وتربيته وهي تشمل الاهتمام بشؤونه الجسدية والخُلقية. والحضانة تكون إلى سن معينة تختلف الطوائف في تحديد مدتها كما تختلف في تعيين صاحب الحق بها بعد الوالدين في حال وفاتهما أو اختلافهما أو سقوط حقهما بها. وسن الحضانة عند معظم الطوائف هو سبع سنوات للولد وتسع سنوات للبنت باستثناء الطائفة الشيعية التي حددت سن الحضانة بسنتين للولد وسبع سنوات للبنت. مع العلم ان قضاة هذه المحاكم لا يطبقون حرفية النصوص بل يأخذون كل حالة على حدة ويطلقون الحكم المناسب على ضوء الظروف التي يعيشها كل من الزوج والزوجة المنفصلان فإذا كان الرجل غير أهل لتربية الأولاد، يبقون في عهدة الأم تبعاً لقناعة القاضي.
ولكن مجرد وجود قوانين مختلفة تعنى كل منها بترتيب العلاقة داخل مجموعاتها الدينية يتناقض ومبدأ المساواة أمام القانون بين جميع المواطنين دون تمييز أو تفضيل المنصوص عليه في الدستور وذلك من ناحيتي:
ـ اللامساواة داخل الجنس الواحد: فالمرأة السنية مثلاً تتمتع بحضانة طفلها حتى سن السابعة للصبي والتاسعة للبنت بينما لا تستطيع المرأة الشيعية ذلك بعد السنتين للصبي والسبع سنوات للفتاة وعليه تتمتع بعض النساء بسني أمومة تتفاوت ونساء أخريات.
ـ اللامساواة بين الجنسين: يقوّي نظام الأحوال الشخصية التيارات الدينية التقليدية ويفتح لها مجالاً لسلب حقوق المرأة باسم الاختلافات الدينية والثقافية والحضانة خير مثال على ذلك، مع العلم أنه داخل التيارات المحافظة التي تسهر على تلك الأنظمة الدينية أصوات رجعية لا تقبل أثناء العلاقة الزوجية سوى بمهمة واحدة للمرأة هي تربية الأولاد استناداً إلى معايير ذكورية تفصل فصلاً حاداً بين دور المرأة والرجل وتقولبها في أطر جامدة لا تلبث أن تتحلل عقب الطلاق ليصبح الرجل هو صاحب هذا الدور والراعي الحصري له. فتتنقل مطالب المرأة من حقها بالعمل وممارسة مهنة أثناء زواجها إلى المطالبة بالأمومة بعد الطلاق.
يفتح هذا الأمر لنا مجالاً للتساؤل: ألا تمثل هذه الأحكام إحدى أهم فصول التمييز ضد المراة وهضماً صارخاً لأحد حقوقها الطبيعية وهو الأمومة؟
للأب والأم الحق في حضانة أطفالهما فالطفل بحاجة للإثنين معاً ليعيش حياة سوية لكن الدراسات أثبتت أهمية دور الأم بالنسبة للطفل وذلك نتيجة جهوزية الأم لاستقبال طفلها منذ كان نطفة في أحشائها، كما أن الطفل يتعرف إلى صوت أمه منذ الشهر السادس من الحمل ويشعر بلمساتها واحتضانها له منذ اللحظة الأولى لولادته، وعلى الرغم من أن لبنان وقعّ على اتفاقية حظرالتمييز ضد المرأة إلاّ ان النظام الطائفي يحول دون التطبيق الكامل لهذه الاتفاقية..
والمفارقة ان معظم الدول العربية قامت بتعديل سن حضانة الأطفال (حتى 13 و15 سنة) لصالح الأم باستثناء لبنان، وهكذا للأسف ما زال قانون حضانة الأطفال مجحفاً بحق الطفل والأم وهذا ليس مستغرباً، فلا أنسى حين قامت في الجامعة إحدى الطالبات المتحمسات لحقوق المرأة محتجة على نص قانون يميز بين الرجل والمرأة فما كان من الأستاذ المحاضر إلاّ القول: "القانون وضعه الرجال فماذا تتوقعين؟!".








