عندما يعتبر التهجير المنظّم... حركة تصحيحية للأسعار!
علي غملوش
إستفاق اللبنانيون من كبوة الأعياد ليصحوا على خبر يضع مدينتهم بيروت في المرتبة 52 عالمياً من حيث أسعارالشقق فيها حسبما أظهر التقرير السنوي الأخير عن آفاق الاستثمار في القطاع العقاري حول العالم، والصادر عن "دليل العقارات العالمية".و يمنحها لقب ثاني أغلى مدينة من حيث الإيجارات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وهي من بين 10 مدن عربيّة شملتها دراسة نشرتها أخيراً شركة الاستشارات العقاريّة «Cushman & Wakefield» وخلصت الى ان العاصمة اللبنانيّة تُعدّ الأعلى كلفة بحسب هذا المؤشّر.
هذه النتائج ليست مفاجئة نظراً إلى الفورة العقاريّة التي شهدها لبنان خلال السنوات الأخيرة، فورة جعلته في مصاف 12 بلداً في العالم فقط سجّلت ارتفاعات في أسعار الإيجارات خلال عام 2009.
هي عاصمتنا الغراء تخطت بدهائها أهم عواصم العالم وتسعى جاهدة كي تنافس باريس في المستقبل القريب. إذ تتوقع الدراسة الأحدث لشركة الأبحاث العقاريّة «Property Wire»، أن يستمرّ ارتفاع أسعار العقارات في لبنان بمعدّل يتراوح بين 10% و15% خلال السنوات الأربع المقبلة. أي إنّ فرص المواطن اللبناني في تملّك شقّة في بيروت تتقلّص تدريجياً وصولاً إلى العام 2013.
يقول محمد زبيب رئيس قسم الإقتصاد في جريدة الأخبار ان قطاع العقارات في لبنان بات مخصصاً، بشكل شبه كامل، للطلب الخارجي، ولا سيما للبنانيين العاملين في الخارج، أو اللبنانيين
العائدين الى لبنان بعد فترة من الهجرة، وكذلك من جانب رعايا الدول الخليجية، واللبنانيين المقيمين من أصحاب الثروات أو المداخيل المرتفعة. ويتركّز العرض في سوق العقارات السكنية حالياً على الشقق الفاخرة، أي التي تتميّز بمساحات واسعة، وبأسعار مرتفعة، ويوجد فائض في العرض في هذا المجال، في حين ان هناك طلب مرتفع جداً على الشقق المتواضعة من دون أن يقابله عرض مماثل كاف، ما ساهم في اختلال ميزان السوق بشكل مقلق، الأمر الذي يهدد بالتالي بأزمة إسكان جدّية، ولا سيما في بيروت وضواحيها القريبة.
يعيد زبيب الأسباب الكامنة خلف ارتفاع أسعار العقارات الى الطلب المتزايد عليها والمضاربات من قبل المغتربين والأجانب، مما يرفع الأسعار بالنسبة إلى القاطنين في لبنان، نظراً إلى اختلاف مستويات القدرة الشرائيّة. وهذا يعني مباشرة أنّه كلّما ارتفع طلب المغتربين والخليجيّين على العقارات في لبنان، تقلّصت فرص اللبناني المقيم في تملّك شقة. وهذا ما سيشكل "عامل طرد لشرائح واسعة من المقيمين" بحسب تعبير زبيب، فهؤلاء مجبرون على الاقامة في هذه المناطق، حيث يتركّز النشاط الاقتصادي، بفعل السياسات الحكومية وما أنتجته لجهة اقامة نموذج اقتصادي ريعي بامتياز، وعدم إنجاز تنمية المناطق الاخرى.
يرى زبيب ان هذا الأمر ينعكس سلباً وبشكل أساسي على الشباب وأصحاب المداخيل المنحفضة والمتوسطة، الساعين للإستفادة من آليات التمويل السكني المدعومة من الموازنة العامّة. فالشقة المتواضعة، في ضواحي بيروت مثلاً، التي كان سعرها لا يتجاوز 40 ألف دولار قبل عشر سنوات، أصبح سعرها اليوم نحو 200 ألف دولار. وبما أن هذه الشرائح لا تتمتع بمداخيل كافية لتغطية أكلاف السكن في المناطق المذكورة، ساهم هذا في تردّي إضافي في ظروف السكن والبيئة الصحية والاجتماعية والثقافية، بالاضافة إلى تفشّي حالات التسرّب الدراسي وعمالة الاطفال والولوج المبكر الى سوق العمل.
هذا الواقع السلبي كما يرى زبيب جعل من الشباب المتخرجين حديثاً من الجامعة والداخلين الجدد إلى سوق العمل والساعين إلى الاستقلال في المسكن أو تأسيس أسر جديدة، فئة مهمّشة جداً لا تحظى بأي اهتمام من قبل الدولة، وهذا ما يمكن اعتباره عاملاً من عوامل التشجيع على الهجرة. ويضيف زبيب "وهذا ما تريده الحكومة اصلاً" طمعاً باستمرار تدفق التحويلات المالية من العاملين في الخارج الى لبنان، والتي باتت تشكّل العامود الفقري للاستقرار المالي والنقدي في لبنان، إذ تبلغ هذه التحويلات نحو 7 مليارات دولار سنوياً، أي 25 في المائة من مجمل الناتج المحلي.
هلليلويا يا ست الدنيا. وقبلة وداع من شعب سيحترف فن المشاهدة على مشارف أبراجك العالية، فالغلاء المفاجئ لأسعار الشقق بهذه الفترة الوجيزة وبالوتيرة المتصاعدة بهذا الشكل سيحول مدينتنا في القريب العاجل إلى خلاء إلاّ ممن يملكون ثمن إنتمائهم إليها خاصة عندما يعتبرالبعض أن ما يحدث لا يتعدى كونه "حركة تصحيحية للأسعار وليس إرتفاعاً غير منطقي".








