مادونا خفاجا
تغيرت اليوم أشكال النزوح ومسبباته كما تغيرت بوصلته المعتادة من القرية إلى المدينة لتصبح العكس تماماً: من العاصمة الباهظة التكاليف إلى القرى المجاورة حيث الحياة أقل "كلفة"، ولو بقليل.
لم ينس جميل، الرجل الأربعيني، المرة الأولى التي رأى فيها البحر. كانت المرة الوحيدة التي أبصر فيها حلمه البعيد "بيروت" ولكن هذه المرة عن قرب. كان قد بلغ الثامنة عشر من عمره وقد أنهى دراسته الثانوية وأسرع للإلتحاق بالجامعة اللبنانية في بيروت. هو من الناس الكثيرين الذين غادروا القرية، بحثا عن العلم أوالعمل أو نتيجة ظروف الإحتلال والتهجير التي عانت منها معظم قرى الجنوب والبقاع الغربي. والمفارقة ان جميل من القليلين الذين عادوا ليسكنوا قراهم بعد هجرة طويلة داخل الوطن. فعلى الرغم من حبه لبيروت إلاّ أنه لم يقدر على "متطلباتها" على حد قوله، بالأخص عندما قرر الزواج لاحقاً. ففضّل جميل التعليم في مدرسة القرية على أن يراكم على نفسه الديون لشراء منزل لا يتسع لشخصين في بيروت، خاصة ان إمكاناته لا تسمح له بتسديد القسط الشهري للمنزل أو دفع بدل إيجار مرتفع جداً. ولا ينسى جميل ما قاله أبوه له في أحد الأيام "بيروت إرشها لإِلها'' . ويتحسر جميل على سنوات أمضاها في بيروت سعياً لبناء حياة قد تكون أفضل من حياة القرية خاصة في ظل غياب الإنماء المتوازن وتركّز الإدارات والمؤسسات وفرص العمل في العاصمة. تلك السنوات التي لم تثمر سوى القليل جداً والتي قد لا تكفي لبناء أساس لمنزل في القرية.
نزوح قسري... بعيد عن قصري
أما أبو محمد فقصته مع بيروت مختلفة...
أبو محمد هو إبن راس بيروت وقد عاش طفولته في أزقتها وأحيائها. يعمل اليوم سائق تاكسي متنقلاً بين شوراعها فشهد على خلافاتها وإنقساماتها، وأيام أبّهتها وسحرها وعرف خيرها من شرها. ولا يقبل أبو محمد بمناداة الطرقات والشوارع سوى بأسمائها القديمة أو"أسمائها الأصلية" كما يقول. هو متعلق ببيروت الذاكرة ذات الأسواق الشعبية القديمة والمحلات الصغيرة التي يفتقد لها اليوم. بيروت التي لعب مع إخوته في زواياها وتمشّى مع أبيه على أرصفتها يأكلان الكعك في الطريق إلى كورنيش المنارة.... يتذكر أبو محمد بحنين الحياة البسيطة آنذاك "حين كانت الناس مرتاحة تعيش ببساطة ولا تخاف مما سيأتي بالرغم من قذائف الحرب المدوية... كانت الحياة أكثر أماناً والناس كذلك".
إزدادت حال أبو محمد سوءاً بعد إخلائه منزله البيروتي وإجباره بطريقة غير مباشرة على النزوح صعوداً نحو عرمون ظناً منه ان نزوحه يكلف أقل من بقائه في بيروت. "قررو أن يزيدوا 100$ على بدل الإيجار المرتفع أصلاً" يقول ابو محمد الذي لم يتمكن من مجاراة الأسعار المستجدة للإيجارات. إلاّ ان "المفاجئ" حسب قوله هو عدوى الغلاء التي طالت المناطق المحاذية للعاصمة ايضاً. فأصبحت الحياة خارج بيروت كالحياة داخلها، فإيجارات المنازل آخذة في الارتفاع ولا تعرف معنى الرحمة لقاطنيها.
العاصمة اليوم ليست لأهلها، بل لأصحاب الإستثمارات والمشاريع والقدرة المالية الضخمة، حتى ظهرت المقولة الجديدة "بيروت ليست لأهلها بل لمن هم مادياً أهل للعيش فيها". هذا هو حال المدينة التي أمست اليوم تنافس شنغهاي وبروكسل في أسعار العقارات..








