معتز سلوم
يحصل الشبّيح اليوم في لبنان على معاشه الذي يخوّله بناء مستقبله وتكوين أسرة من عرق جبينه وبكل فخر، يكسب ليراته بهمّة ونشاط، يستيقظ مع ساعات الصباح الأولى تماماً في نفس توقيت أولى باصات نقل الركّاب من مدينة إلى أخرى.غرندايزر أو الرجل الحديدي؟ لا يهم أيّ لقب يعطى لهذا الشخص، وجهٌ يحكي لك من نظرة واحدة قصص المغامرات والمعارك التي خاضها على مرّ الزمن. فإذا كانت ندوب السكاكين أو الضربات الظاهرة على جسده والتي تصدّى لها "الشبيح" بدون تردّد لا تكفي لتظهر الحالة التي يعيشها، فستعرف ذلك من خلال خشونة اليدين وبنية الجسد المطرّز بالوشوم، بعضها رُسم بالحبر والبعض الآخر في سبيل لقمة العيش. رأيته أحياناً تحت زخّات المطر متحدّياً البرد القارس، يلبس سروالاً قصيراً وكنزة صيفيّة و"شحّاطة" بلاستيكيّة، غير آبه للعوامل التي قد تعيق عمله مهما كانت.
شخصيّة الشبّيح موجودة منذ سنوات طويلة في بلادنا كما وفي بلدان أخرى، وأخذت أشكالاً كثيرة على مرّ العصور فعلى سبيل المثال نذكر "الطُفّار" في أيّام الحكم العثماني و"الزيبق" أيّام الحكم العبّاسي وغيرهما كالقراصنة وقطّاع الطرق. ولطالما حفرت أسماء كثيرة في ذاكرة من عاصروا الحرب الأهلية في لبنان كأولئك الذين يتقاضون المال من سكّان المنطقة التي يقطنوها بحجة الأمن وحماية المنطقة من الدخلاء، أو تلك المجموعات المنضوية تحت لواء الدين خصوصاً وقت كانت العصبيّة الطائفيّة في أوجها، فكانوا يحصلون على أموال الناس تارة بهدف شراء السلاح حفاظاً على سلامة الطائفة من طوائف أخرى وطوراً تخطّوا حدود المعقول، فاستفادوا من الفوضى السائدة وراحوا يسلبون أملاك من لم يدفعوا "الخوّة" بقوّة السلاح، وسَلم من تعاون رغماً عنه على مضض.
ويقول أبو أحمد، وهو رجل شاهد على الحرب الأهليّة اللبنانيّة ونجا منها حيث كانت الميليشيات هي القانون وكانت كلّ منطقة تخضع لسلطة حاميها، "حيث كنت أسكن كنت أرى أولئك "المتديّنين المسلّحين" يدخلون المحلاّت بابتسامة عريضة بحجّة السؤال إن كنّا بحاجة لشيء، وهو معناه: قدِّموا لنا من الموجود. ولطالما تعرّضت ممتلكات الرافضين للإنصياع لمطالب "رجال الخوّة" إلى السلب والنهب في الليل وحين تشتد المعارك مستفيدين من نزوح مالكيها لمناطق أخرى. كما وأذكر بيت جار لنا يقطن في الشارع المجاور تعرّض للإحتلال من قبل محسوبين على الجيش السوري بعد أن هاجر إلى الخارج وبقي الحال على ما هو عليه حتّى الآن".
وعند سؤال ج. م. (لبناني في الستّين من العمر) عماّ يذكره حول هذا الموضوع يجيب ساخراً "كل من كان يحمل السلاح شارك في أعمال مشابهة، بعضهم بطريقة "مذوقة" والبعض بالترهيب بقوّة السلاح، وأهم من كان ناشطاً في هذا المجال هم عناصر فتح و من بعدهم رجال المخابرات في الجيش السوري ورجال الأحزاب اللبنانيّة. إذ إنَ هؤلاء، كانوا يتلقّون الأموال من أناس يرغبون بالإحتماء بسلطة نفوذهم: البعض يدفع لحماية ممتلاكته والبعض الآخر لقاء تصفية حسابات مع أناس آخرين والبعض لحمايته من رقابة الدولة التي كانت تحظّر بعض النشاطات والأعمال التجاريّة كتهريب الدخان ومقاهي القمار والنوادي الليليّة غير المرخّصة ومالكي صالات السينما التي تعرض الأفلام الإباحيّة التي توقّفت عن عرض هذه الأفلام اليوم بعد زوال هذه الفوضى".
من الأمور الملفتة هي أنّ هذه الظاهرة القديمة ليست مستمرّة حتى الآن فحسب، بل منتشرة في مناطق ومدن مختلفة. فالشبّيح موجود في وسط المدينة "داون تاون" والضاحية الجنوبيّة لبيروت وطرابلس . فالسؤال الذي يطرح نفسه: هل من المقبول انّه وفي العام 2010 لم تقض الدولة على هؤلاء المرتزقة؟ يأتيك الجواب الذي تعجب لسماعه وهو أنّ هؤلاء يحظون بتغطية من مسؤولين سياسيّين بشكل مستمر. إذ قال أبو حيدر وهو سائق فان "ليسوا أقوى من جيش الدولة وقوى الأمن، ولكن كل ما دخلوا السجن عند قيامهم بأعمال تخريبيّة أو ما شابه، تراهم يخرجون بعد بضعة أيّام لأنهم محسوبون كزعران لهذا النائب أو ذاك، وإلاّ فهل تستطيع أن تستوعب فكرة أن الدولة غير قادرة على زجّ عشرين أو مئة شخص كهؤلاء في السجن وإنهاء هذه الحالة؟؟".
المواصفات والمهارات التي يجب أن يتمتّع بها "الشبّيح"
ـ أن يجيد استخدام أسلحة قتال الشوارع (عصا، سكّين...)
ـ أن يتمتع بالرغبة في جمع المال بدوام حُر وبسرعة..
ـ أن يكون فرداً من إحدى العائلات المشهورة في هذا المجال..
ـ أن تكون الدنيا سوداء بنظره خصوصاً لعدم توفّر عمل.
ـ ليس ضرورياً أن يكون قويّاً فالسكين أو السلاح يحلّ المشكلة..
ـ أن تكون لديه تغطية قانونيّة من جهة سياسيّة بهدف إستمرار مزاولته لـ"المهنة".






