عايدة فياض
"بحلم يكون عندي بيت لإلي، يكون مملكتي"، هذه العبارة تختصر حلماً يجمع بين النساء ويقاسمهم فيه الرجال. فالمرأة والرجل يتشاركان الرغبة بالاستقرار وبناء حياة مستقرة في مكان خاص يجمعهما، ولكن في لبنان حتى الأحلام التي تعتبر بديهية وبسيطة أصبحت صعبة المنال على المواطن اللبناني وتكلفتها تفوق قدرته المادية أو حتى الخيالية.
سمر شابة لبنانية ثلاثينية مرتبطة بأحمد وهو شاب يماثلها العمر يعانيان من مشكلة إيجاد مكان للسكن. وهما لا يبحثان عن بيت للشراء لعدم تمكنهم من تأمين نفقاته نظراً للارتفاع المهول في أسعار الشقق. لذلك هما يبحثان عن بيت للإيجار منذ أكثر من سنة. ولكن كالذي يبحث عن إبرة في كومة من القش يبدو من المستحيل أن يجدا ضالّتهما.
"الشقق اللي بتعجبنا إيجارها غالي والشقق اللي بتناسب ميزانيتنا مش صالحة للسكن" هذا كان رد سمر على سؤالنا لها عن سبب هذا التأخير في ايجاد مسكن لهما بالرغم من انهما مستعدان لدفع بدل إيجار جيد والذي يفترض أن يسهل لهما عملية البحث ولكن "حساب الحقلة لا يطابق حساب البيدر" كما يقول المثل.
أصبحت بيروت تغص بساكنيها وروادها من كثرتهم. "مش مرتبطين ببيروت بشكل حصري، جربنا انو نطلع برّاتها شوي بس ما فينا نبعد كتير لأنو أشغالنا ببيروت بس كمان ما عم نلاقي شي مناسب" تقول سمر. فإذا كنت من سكان بيروت وأردت أن تصل إلى مقر عملك عند الساعة الثامنة صباحاً يجب أن تترك البيت عند السابعة أو أقل قليلاً بسبب زحمة السير الخانقة. "إذا بعدنا عن بيروت رح نقضيها على الطرقات ومصروف البنزين رح يكون أكبر" تقول سمر التي توضح أن هذا هو الدافع وراء سعيها للسكن في بيروت وضواحيها توفيراً للوقت والوقود وبالتالي المال والمجهود.
لا بالسما ولا تحت على الأرض
تقول سمر ان باستطاعتها دفع بدل إيجار بحدود 800 دولار الذي قد يبلغ الـ1000 دولار إذا ما أضفنا إليه نفقات الصيانة وناطور البناية وهذا المبلغ أعلى من راتب موظف.
كان بدل الإيجار قبل ثلاث سنوات يتراوح بين 200 و400 دولار في حين كان الحد الأدنى للأجور 300 ألف ليرة. أما الآن فالإيجار يبدأ من 500 دولار وصعوداً في وقت أصبح الحد الأدنى للأجور 500 ألف ليرة لبنانية أي ما يعادل 330 دولار أي أقل حتى من إيجار البيت الذي يحتاجه. وقد بدأت أسعار الإيجارات بالارتفاع بشكل ملحوظ بعد حرب تموز 2006 والدمار الهائل الذي سببته للمنازل وازدياد الطلب على الشقق بشكل واضح وبأي ثمن كان لتفادي البقاء بلا مأوى تزامناً مع بداية موسم المدارس. وهذا الأمر دفع بأصحاب المنازل إلى رفع الإيجارات واستغلال حاجة الناس خاصة بعد أن أعلن أحد الأحزاب نيته دفع تعويضات لأصحاب المنازل المهدمة.
قفص ذهبي أو مذهبي
انتشرت في السنوات الأخيرة ظاهرة الأبنية والأحياء التي تحمل لوناً طائفياً أو مذهبياً واحدا. فأصبح المالك لا يسأل عن أية تفاصيل إلاّ مذهب أو طائفة المستأجر والعكس صحيح. "ما تخبّري صاحب البيت انو خطيبك من طايفة تانية كرمال ما يغير رأيو وما يعطيكن البيت. قولي انو رح تسكني فيه انتي وأهلك اذا سألك وبس تمضي العقد خلص"، هذه نصيحة من إحدى صديقات سمر التي تسكن في منطقة محسوبة على طائفة معينة والتي وجدت لها شقة للإيجار في هذه المنطقة. تقول سمر "الشقة أقل من عادية وما بتستاهل المبلغ المطلوب بالإضافة إلى انو مش مستعدين نبلش حياتنا بمكان الطائفية حاكمة فيه، ما بدي ولادي يوعوا على هالقصص من صغرهم".
قبل أن نقرر الزواج والإنجاب في لبنان وهو ما يحلم به كل شاب وصبية في بلدنا نحتاج لمسكن يأوي أحلامنا وهذا ما يصعب تحقيقه اليوم في لبنان. فيبدو ان البيوت صارت من كماليات الحياة لا من ضرورياتها ومن لا يملك ثمن "مرقد عنزة" أو ما يكفي لاستئجاره حكم عليه بالحرمان من تحقيق أبسط أحلامه.






